شریعةالغاب
تروي کتب الأدب أن أحد المقربین من بعض الولاة دخل علیه یوما فقال له:
یعلم الوالی حفظه الله أن لدیه بقرة سمینة و أنا عندي ثور أقرن. فقال
الوالی:نعم. فقال: لقد نطحت بقرة الوالی ثوري فقتلته؛ فقال الوالی: هذا
شأن بین الحیوانات و لا دخل لنا فیه. فقال الرجل: مهلاً، أصلح الله الأمیر
فإنّ العجلة دفعتني إلی روایة القصة معکوسة، فإن ثوري الأقرن هو الذی نطح
بقرة الوالي فقتلها. عند ذلک اعتدل الوالي في جلسته وقال: ویحک یا رجل!
أعد لي القصة من جدید.
لقد أصبحت الإزدواجیة في القوانین والمنظّمات الدولیة مثل هذه الحکایة
تماما.فکلما ترید دولة من العالم الثالث أن ترفع صوتها طالبةً حقها، ترفع
في وجهها عصاً غلیظة تسمی بالشرعیة الدولیة و تعتبر الولایات المتحدة و
حلفاءها أکثر الحکومات إستخداماً لهذا المصطلح. ولکن هناک أسئلة تطرح
نفسها فی هذا المجال و هی التالیة: هل هناک شرعیة دولیة فعلاً؟ هل مجلس
الأمن الدولی الذی هو المسئول الأصلي عن وضع و إجراء القوانین
الدولیة،یمثل کل شعوب العالم؟ ألا ینطبق علیه فی کثیر من القضایا شعر
المتنبي: «فیک الخصام و أنت الخصم والحکم»؟ فلماذا تسمی بالشرعیة إذا کانت
دیکتاتوریة القلة؟ وإلی متی سیضحکون علینا بهذه المصطلحات المضللة؟أین
ممثلو أکثر من ملیار هندی و ملیار و نصف مسلم عند وضع القوانین الدولیة و
تطبیقها عبر مجلس الأمن الدولی؟لماذا تقیم هذه الشرعیة الدولیة الدنیا و
لا تقعدها علی اغتیال صحفی أو رئیس لبنانی سابق،بینما تصمت علی مقتل ملیون
رواندی و مئات الآلاف عراقی و کردی و إیرانی؟
في الحقیقة إن ما یسمی الآن بالشرعیة الدولیة(و هي بالمناسبة تفتقر إلی
الشرعیة) لیس إلا عصا تستخدمها الدول الإستعماریة لتحقیق مصالحها و إخضاع
الدول الأضعف أمام هذه المصالح التي أصبحت مغطّاة بهذا المصطلح. و هي
شرعیة المفترسین و سمک القرش. لتوضیح هذا، لابد من العودة إلی التاریخ
قلیلا.نحن نعلم أن هذه الشرعیة الدولیة نشأت بعد الحرب العالمیة
الثانیة.أنشأها الذین انتصروا في الحرب و قرروا أن ینشئووا عالما یلبي
مطالبهم.قالوا أنه یجب أن ینتظم هذا العالم تحت هیئة الأمم المتحدة(کما
سموها) وقیل أن هذه الهیئة أنشأت لمنع النزاعات و الحروب بین الدول.لکن
الجمیع یعلمون أن حوالی ثمانین حربا طاحنة خلال الحرب الباردة، حدثت تحت
ذقن الأمم المتحدة،تحت ذقن الشرعیة الدولیة.کانت کل دولة من الدول الوصیة
علی الشرعیة الدولیة تحتل دولة ضعیفة واحدة علی الأقل.أمیرکا احتلت
فیتنام؛فرنسا احتلت الجزائر؛والاتحاد السوفیتی احتل افغانستان.فسیطروا علی
شعوب هذه الدول و اغتصبوا أرضها و هتکوا عرضها و سلبوا خیراتها. وهذا جزء
مما ارتکبوه في العقود الأخیرة من الجرائم والقتل و الإرهاب.
أما ماهي حال الشرعیة الدولية التي سمیناها بشرعیة المفترسین، فی عصرنا
الراهن؟ لنلاحظ أین معالمها.أولا في مجال الصحة؛هناک منظمة الصحة العالمیة
و هي إما تتواطئ علی قتل أکثر من ستین ملیون أفریقی مصاب بالإیدز و إما
تنهب ثروات الدول الأفریقیة بذریعة معالجة هؤلاء المصابین بالإیدز حتی
تحمی مصالح المفترسین الکبار صنّاع الأدویة.لنأخذها فی مجال البیئة؛ثقب
الأوذون یتسع یوما بعد یوم و یهدد کل المخلوقات في الأرض، و هذه الشرعیة
الدولیة المزعومة لا تستطیع أن تجبر الولایات المتحدة علی توقیع اتفاقیة
"کیوتو" لحمایة الکرة الأرضیة من هذه الکارثة. أما مجال الزراعة فهناک
الآن خمسة عشر ملیون منتج قطن أفریقی مهددین بفقد لقمة العیش و منظمة
الزراعة الدولیة لا تستطیع أن تلزم الإدارة الأمیرکیة علی وقف دعم القطن
الأمیرکی حتی یتمکن هؤلاء من بیع قطنهم لیحافظوا علی معیشتهم فقط. أما فی
مجال الثقافة، فلقد قاطعت الولایات المتحدة منظمة یونسکو لمدة سنوات لمجرد
أنها ترمم الآثار الإسلامیة في القدس و تمنع الکیان الصهیونی من هدمها و
لأن هذه المنظمة احتفلت بمیلاد کارل مارکس مثلا.لنأخذها في مجال العراق؛
فأصحاب هذه الشرعیة الدولیة قتلوا أکثر من ملیون طفل في أیام الحصار و
قتلوا نحو ملیون و نصف مواطن عراقی أثناء الحرب الأخیرة والآن یریدون منا
أن نصمت.علینا أن لا نصمت أمام هذه الشرعیة الدولیة التي قتلت ملیون طفل
عراقی بواسطة العقوبات و هي فی نفس الحال لم تتمکن من منع الحرب علی
العراق. وماذا تفعل الیوم؟ تستخدم کممسحة لتشریع الاحتلال الأمیرکی
للعراق. فإذا آردنا أن نختصر الکلام یمکننا أن نقول أن ما یسمی بالشرعیة
الدولیة هو شرعیة أسماک القرش والمفترسین و شرعیة الممسحة کما نجد فی
العراق.فإذا سمعتم یوما بأن الشرعیة الدولیة تدین إیران أوأی میلشیا و
حزب، فلا تبالوا بشئ لأنه لا یمکننا أن نتوقع من هذه الشرعیة أکثر من هذا.
+ نوشته شده توسط اسدی در پنجشنبه 14 شهریور1387 و ساعت
|


